عفيف الدين التلمساني
31
شرح مواقف النفري
في بعض نظمي وهو في معنى من يرى ولا يدري وهو : من كان لا يدري الصواب * فذاك أخطأ إذ أصابا أو كان لا يدري الجواب * فما أجاب وإن أجابا ولي في مثل هذا المعنى وهو أنه إذا رأى ولم يدر فما رأى تجلى محياها ومدت بنورها حجابا على أبصارهم وهو منهم فلم يبق إلا من رآها وإنما يراها فتى معناه عنه يترجم . قوله : ( وقال لي : تجدني ولا تجدني ، ذلك هو البعد ) . قلت : هذا أيضا هو ذاك بعينه لكن بوجه أعم ، فإن الوجدان قد يكون بالقلب وقد يكون بالحس فكأنه زادك في التعرف تقريبا آخر وهو أنه قال لك ما تجد إذ تجد غيري ؛ لأنه ليس في الوجود غيري ، فإن لم تعرف أنك وجدتني فما وجدتني ، وذلك هو البعد . قوله : ( تصفني ولا تدركني بصفتي ذلك هو البعد ) . قلت : هذا أيضا مزيد بسط في تعرفه إليك إن كنت مقبولا . ومعناه تصفني بأني مثلا حي ، ثم ترى حيّا فلا تعرف أن الحياة كلها لي ، ولو عرفت ذلك لوجدتني ، ولو وجدتني لكنت قريبا إليك لكنك لم تعرف أن تلك الحياة لي ، وتجد مثلا القوة ظاهرة في ذي قدرة فتلحظ القادر فيها غيره تعالى ، ولا تعلم أن القدرة حيث القادر ، وأن القوة حيث القوي . قال اللّه تعالى : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : الآية 165 ] فهذا معنى تصفني ولا تدركني بصفتي ذلك هو البعد . قوله : ( تسمع خطابي لك من قلبك وهو مني ، ذلك هو البعد ) . قلت : هذا أيضا بسط في المعنى المقدم ذكره في هذه التنزلات ، وذلك أن إشارته إلى أن كل خطاب يجده العبد المشار إليه من قلبه ليس هو من قلبه بل هو من ربه ، ويكون ما يراه من قلبه ، فذلك هو البعد ، فكأنه قال : لا تسمع خطاب قلبك إلا مني ، وإلا كان ذلك هو البعد .